ابن كثير
461
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ذنوبهم بل يقادون إليها ويلقون فيها كما قال تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ أي بعلامات تظهر عليهم . وقال الحسن وقتادة : يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون . قلت : وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء . وقوله تعالى : فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ أي يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك ، وقال الأعمش عن ابن عباس : يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور ، وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره ، وقال السدي : يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط ناصيته بقدمه ويفتل ظهره . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يعني جده ، أخبرني عبد الرحمن ، حدثني رجل من كندة قال : أتيت عائشة فدخلت عليها وبيني وبينها حجاب فقلت : حدثك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه يأتي عليه ساعة لا يملك فيها لأحد شفاعة ؟ قالت : نعم لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شعار واحد قال : « نعم حين يوضع الصراط لا أملك لأحد فيها شفاعة حتى أعلم أين يسلك بي ، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه حتى أنظر ماذا يفعل بي - أو قال يوحى - وعند الجسر حين يستحد ويستحر » فقالت : وما يستحد وما يستحر ؟ قال يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف ، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة ، فأما المؤمن فيجيزه لا يضره ، وأما المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه خر من قدميه فيهوي بيديه إلى قدميه - قالت : فهل رأيت من يسعى حافيا فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه ، فإنه كذلك يهوي بيده ورأسه إلى قدميه فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه ، فتقذفه في جهنم فيهوي فيها مقدار خمسين عاما - قلت : ما ثقل الرجل ؟ قالت : ثقل عشر خلفات سمان فيومئذ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام » . هذا حديث غريب جدا ، وفيه ألفاظ منكر رفعها ، وفي الإسناد من لم يسم ومثله لا يحتج به ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها ، ها هي حاضرة تشاهدونها عيانا ، يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتصغيرا وتحقيرا . وقوله تعالى : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ أي تارة يعذبون في الجحيم وتارة يسقون من الحميم ، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء ، وهذه كقوله تعالى : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [ غافر : 71 - 72 ] . وقوله تعالى : آنٍ أي حار قد بلغ الغاية في الحرارة لا يستطاع من شدة ذلك ، قال ابن عباس في قوله : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ أي قد انتهى غليه واشتد حره ، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن والثوري والسدي وقال قتادة : قد آن طبخه منذ خلق اللّه السماوات والأرض ، وقال محمد بن كعب القرظي : يؤخذ العبد فيحرك بناصيته في